📜 السيرة الذاتية والمعطيات التاريخية
السيرة الذاتية:
فيما يلي ترجمة وسيرة الشيخ سعيد بن عبد المنعم المناني الحاحي استناداً إلى الدراسة المنشورة في الرابط بعنوان «زاوية آل سعيد بن عبد المنعم ومكانة الأسرة المنانية الحاحية» للباحث نور الدين صادق.
ينتمي الشيخ أبو عثمان سعيد بن عبد المنعم إلى الأسرة المنانية الحاحية، إحدى أعرق الأسر العلمية والدينية في بلاد سوس وحاحة بالمغرب. وتنتسب هذه الأسرة إلى الشرفاء الأدارسة، وتحديداً إلى فرع الأمير أحمد بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإن كانت كتب الأنساب قد سجّلت اضطراباً في سرد أسماء الحلقات بين جدهم المستقر بحاحة وإدريس الثاني.
ويرجع أصل استقرار أسرته في قبيلة «إدا وبوزيا» بالسفح الشمالي الغربي للأطلس الكبير الغربي إلى جدهم داود بن خالد (المُرجَّح أنه عاش في القرن 7هـ/13م)، والذي تنسب إليه قرية «أيت داود»، حيث يُعد سعيد بن عبد المنعم الحفيد الخامس له. وقد لُقبت الأسرة بـ «الحاحية» نسبةً إلى موطن استقرارها بمنطقة حاحة، وبـ «المنانية» بناءً على الرواية المتداولة بين أفرادها بوفود جدهم داود أصلاً من منى بالحجاز. وكان والده، عبد المنعم (أو عبد النعيم بن الحسن)، فقيهاً جليلاً من أهل القرن التاسع الهجري يُرجع إليه في فض النزاعات والتحكيم بين القبائل.
يُعتبر الشيخ سعيد بن عبد المنعم أحد أبرز أقطاب العلم والصلاح في المغرب خلال القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)؛ فقد جمع بين الرسوخ في العلوم الشرعية والريادة في التصوف السني على الطريقة الشاذلية الجزولية. وأجمعت المصادر التاريخية وتراجم الأعلام على تفرده وعلو مقامه في الزهد، والورع، والأمر بالمعروف، والتمسك بالسنة النبوية؛ حتى نعته صاحب «دوحة الناشر» ابن عسكر بـ: «شيخ السنة ومحيي الديانة»، وأضاف عنه أنه «كان من أكابر المشايخ وأشهرهم علماً وعملاً، وله في المعاملات الشأن الذي لا يدرك... وكان من شدة الدين وقوة الإرادة بالمقام الذي لا ثاني له».
كما وصفه المؤرخ والفقيه التمنارتي في «الفوائد الجمة» بقوله: «شيخ السنة وإمام الأمة أبو عثمان سعيد بن عبد المنعم المناني شيخ الحقيقة وإمام الطريقة، أحيا بقطره في عصره من السنة رسوماً دارسة، وأظهر منها أعلاماً طامسة... وانتعش به أمر الإسلام وعقائد الإيمان». وهو الوصف ذاته الذي أكده المؤرخ الإفراني في «صفوة من انتشر»، معتبراً إياه «واحد وقته علماً وديناً، وهو الذي أحيى الله به السنة بسوس، وانتعش به الإسلام فيه».
وقد حظي الشيخ بإجلال بالغ من كبار شيوخ وأولياء عصره؛ إذ نقل ابن عسكر عن الإمام أبي محمد عبد الله الهبطي قوله الشهير: «ما رأيت فيمن أدركت من المشايخ من كان على الجادة، وجاء بالتربية النبوية على أصلها المعروف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلا رجلين: الشيخ سعيد بن عبد المنعم في حاحة، والشيخ أحمد بن القاضي بجبل زواوة». كما بلغ إعظام القطب الصوفي الشهير سيدي أحمد بن موسى السملالي له مبلغاً جعله يقول: «ما ولدت النساء قبله مثله، ولا تلد النساء بعده مثله، وإني لأتمنى أن أكون بجواره فأخدمه بكل جوارحي، حتى بأجفاني».
تُدحض الدراسة ما نسبته بعض الكتابات الاستشراقية والتاريخية (مثل كتابات الباحثة مونيي) من إرجاع تأسيس زاوية المنانيين إلى الجد الأول داود بن خالد وتفريعها مبكراً عن الجزولية، لتؤكد أن الشيخ سعيد بن عبد المنعم هو المؤسس الفعلي والحقيقي لزاوية آل المناني بحاحة مع مطلع القرن العاشر الهجري. وقد اتخذ من قريته «أيت داود» مركزاً لنشر التربية الروحية، وبث العلوم الدينية، وتثبيت قيم الشريعة والسنة بين قبائل الأطلس وسوس.
توفي الشيخ سعيد بن عبد المنعم سنة 953هـ / 1547م، تاركاً إرثاً دينياً وعلمياً كبيراً واصل حمله أبناؤه وذريته من بعده؛ وفي مقدمتهم نجله الشيخ عبد الله بن سعيد (مؤسس زاوية تافيلالت بإداوزداغ)، ثم حفيده الشهير الثائر الشيخ يحيى بن عبد الله الحاحي، لتبقى زاوية آل سعيد بن عبد المنعم واحدة من أهم مراكز الإشعاع الصوفي والتربوي في تاريخ الجنوب المغربي.