📜 السيرة الذاتية والمعطيات التاريخية
السيرة الذاتية:
يُعد سيدي أحمد البرنوصي، بعد مولاي إدريس الأزهر، أحد أشهر أولياء مدينة فاس وأكثرهم تبجيلًا عند أهلها. ويقع ضريحه على السفوح الشمالية للمدينة، بين جبل زلاغ وجبل القبب، في موقع مرتفع يشرف على مدينة فاس وسهل سايس ووادي سبو، ويُعد من أجمل المواقع الطبيعية المحيطة بالمدينة.
شُيدت القبة الحالية فوق قبره بأمر من السلطان مولاي سليمان سنة 1803م، ثم قام السلطان مولاي الحسن الأول بترميمها وتزيينها فيما بعد، كما أنشأ مولاي سليمان سنة 1808م فندقًا لإيواء الحجاج والزوار. غير أن عدم تخصيص أوقاف (حبوس) لصيانة الضريح أدى إلى تدهور بنائه مع مرور الزمن. وفي سنة 1950 صُنفت القبة والموقع ضمن المعالم التاريخية، وجرى التفكير في ترميمهما، إلا أن المشروع أُجل بسبب ارتفاع تكلفته.
وتنسب الروايات التاريخية سيدي أحمد البرنوصي إلى قبيلة البرانص، وتذكر أنه عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، وتتلمذ بمدينة فاس على يد الشيخ سيدي علي بن حرازم إلى جانب رفيقه الشيخ أبي مدين شعيب الغوث، قطب تلمسان الشهير. كما درس علم الأنساب وعلم الكلام، وألف كتابًا في شرح أسماء الله الحسنى بعنوان «الوجيز المختصر والذهب الإبريز».
وبعد انتهاء طلبه للعلم، اختار حياة الزهد والعبادة، فاعتزل الناس في موضع يعرف بـ «العباد» على جبل زلاغ، حيث أقام في مغارة ثم بنى بيديه كوخًا بسيطًا للخلوة والعبادة. وتذكر كتب المناقب أن جماعات من الجن المؤمنين كانت تأتي إليه لتلاوة القرآن الكريم وتلقي العلوم الشرعية منه، وأن أهل فاس كانوا يقصدونه طالبين الدعاء والشفاعة عند الله لقضاء حوائجهم، لما اشتهر به من صلاح وكرامات.
وتوفي سيدي أحمد البرنوصي حوالي سنة 1180م، بينما كان رفيقه أبو مدين قد توفي بتلمسان سنة 1161م. كما دفن والداه، سيدي علي البرنوصي ولالة شافية، بالقرب من ضريحه.
وتشير المصادر إلى أن المنطقة التي أقام بها كانت تضم قديمًا بقايا قلعة زلاغ، التي ذكرها الجغرافي البكري سنة 1050م، وكانت قصبة لقبيلة مغيلة، قبل أن يهدمها موسى بن نصير سنة 706م. وبعد ذلك، استقر بها جنود قبيلة لمطة الذين أسكنهم يوسف بن تاشفين سنة 1069م لحراسة مدينة فاس.
وقد وصف المؤرخ حسن الوزان (ليون الإفريقي) هذا المكان خلال إقامته بفاس بين سنتي 1508 و1512م، وقال إن سيدي أحمد البرنوصي اختار هذا الموضع المنعزل، وسط أنقاض القصبة القديمة، لما يوفره من هدوء يساعد على التأمل والعبادة.
وكان يقام بهذا المكان، قبل الحرب العالمية الثانية، موسم ديني كبير يجمع قبيلة لمطة وأهل فاس، ويتميز بأجوائه الشعبية والاحتفالية. ويقع الضريح وسط غابة صغيرة من أشجار البطم (التربنتين) المعمرة، وهي بقايا الغابات القديمة التي كانت تغطي جبال شمال فاس، وقد حافظت قدسية المكان على هذه الأشجار من القطع والاندثار.
ويرى الباحثون أن موسم سيدي أحمد البرنوصي قد يكون امتدادًا لتقاليد زراعية ودينية تعود إلى ما قبل الإسلام، ويشبه موسم سيدي مسعود عند قبيلة آيت عياش، حيث ما تزال بعض الطقوس القديمة، مثل تعليق قطع القماش وخصلات الشعر على أشجار البطم، تمارس إلى اليوم. أما في مقام سيدي أحمد البرنوصي، فقد اختفت هذه الممارسات بعد استقرار الولي الصالح بالمكان وانتشار التعاليم الإسلامية.
ومن أعلى الجبل يتمتع الزائر بمنظر بانورامي رائع يشمل مدينة فاس، وسهل سايس، ووادي سبو، وجبال الريف، والأطلس المتوسط، وجبل زلاغ، وهو منظر جعل هذا المكان مقصدًا للمتعبدين ومحبي الطبيعة عبر القرون.
إلا أن شخصية سيدي أحمد البرنوصي أثارت جدلًا بين المؤرخين. ففي سنة 1919، نشر الباحث بروسبير ريكار رواية تختلف عن الرواية السابقة، إذ اعتبر أن سيدي أحمد البرنوصي أنه كان معاصرًا لمولاي إدريس الأول عند تأسيس مدينة فاس في أوائل القرن التاسع الميلادي، وأنه كان العسّاس أو الحارس المكلف بمراقبة الجبال المحيطة بالمدينة وتنبيه مولاي إدريس إلى أي تحركات معادية أثناء بناء فاس. ويذكر ريكار أن هذا الدور هو الذي أكسبه مكانته الرفيعة في قلوب أهل المدينة، وأن السلطان مولاي الحسن الأول أعاد ترميم ضريحه حوالي سنة 1880، وجعل من سطحه مكانًا يمكن منه رؤية دار المخزن، وكأنه وضع القصر السلطاني تحت حمايته الروحية.
كما يشير ريكار إلى أن وفاة سيدي أحمد البرنوصي كانت يوم الأحد من شهر ماي، ولذلك كان الناس يعتقدون أن زيارة ضريحه هو يوم الأحد، وخاصة في ذكرى وفاته، أكثر بركة، وكان بعض الحجاج يقيمون بالمقام من يوم السبت إلى يوم الاثنين طلبًا للبركة.
غير أن هذه الرواية تتعارض مع ما ورد في كتاب «الروض العطر في أخبار صالحي فاس»، الذي نقل الدكتور قيس الغمري سيرته، إذ تؤكد هذه المصادر أنه عاش في القرن الثاني عشر، وكان من تلامذة سيدي علي بن حرازم ورفيقًا لأبي مدين شعيب، وهو ما يوافق الرواية التي نقلها بيير باخ.
وه