📜 السيرة الذاتية والمعطيات التاريخية
السيرة الذاتية:
الشيخ الأمير أبو زكرياء يحيى بن عبد الله المنّاني الحاحي هو أحد أبرز أعلام تارودانت وسوس والمغرب في مطلع القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، جمع في شخصيته بين رسوخ العالم المحدث المسند الأثري، ومكانة الشيخ الصوفي المربي، وحنكة القائد العسكري والزعيم السياسي. وُلد لأبيه الولي الصالح عبد الله بن سعيد الحاحي وأمه الشريفة عائشة بنت إبراهيم (من إداوزيمر) ببلدة "تافلالت" بقبيلة إداوزداغ في الأطلس الكبير الغربي شمال شرق تارودانت، ويرجح ميلاده بين عامي 965هـ و970هـ بعد أن كان والده قد استقر هناك وأسس زاوية زداغة. نشأ يحيى بكراً لإخوته في هذا المحضن العلمي الحافل بخزائن الكتب ومجالس الذكر، فتلقى مبادئ العلوم والقرآن والتربية الصوفية على يد والده أولاً، قبل أن يدفعه في منتصف عقده الثاني إلى رحلة علمية شملت حواضر كبرى؛ فنهل بفاس من أكابر علمائها كأحمد بن علي المنجور، وأحمد القدومي، وأبي زكرياء يحيى السراج، وعبد الواحد الحميدي، وتوسع في الفقه والحديث والتفسير واللغة والمنطق، ثم ارتحل أواخر العقد التاسع إلى مراكش إبان ازدهارها الثقافي في عصر المنصور فأخذ عن قاضيها أبي عبد الله الرجراجي والفقيه أحمد بن محمد السالمي، ليختم رحلته بدرعة ملازماً الشيخ أحمد بن محمد أدفال السوساني الدرعي بلكتاوة الذي أجازه إجازة عامة في الحديث ورواية أمهات الكتب، كما نال لاحقاً إجازة في الرواية من العالم السوداني أحمد بابا التنبكتي مؤرخة عام 1008هـ.
أنهى رحلته مع مطلع تسعينيات القرن العاشر الهجري وعاد إلى زاوية زداغة متصدراً للتدريس إلى جانب والده، واستمر في العطاء العلمي زهاء ثلاثين سنة متنقلاً بالسكنى والتعليم بين الزاوية بتافلالت، وسهب زبوز بأولاد تايمة، وتارودانت، متمكناً من الفقه والحديث والنحو ونظم الشعر والتصوف. وبعد وفاة والده بالطاعون الجارف عام 1012هـ (1603م)، آلت إليه رئاسة الزاوية، فبلغت في عهده أوج ازدهارها وضمنت مكانته طاعة قبائل سوس والتفاف الأتباع والوفود حوله لصلاحه وشهرته. وقد دفعت هذه المكانة والنفوذ السلطانَ السعدي زيدان بن أحمد المنصور إلى الاستجارة به لرد ثورة ابن أبي محلي الذي استولى على مراكش؛ فلبى يحيى النداء وهزم ابن أبي محلي في معركة "جليز" عام 1022هـ (1613م) وأعاد السلطان زيدان إلى عرشه بقصر البديع. غير أن نقض السلطان لشروط المؤازرة المتفق عليها—ومنها رفع المظالم، وتخفيف الجبايات عن الرعية، وإبعاد اليهود من حاشيته وبلاطه—دفع الشيخ يحيى إلى خلع بيعته وتأسيس إمارة قوية في تارودانت وسوس، ظل يدير شؤونها ويوسع نفوذها حتى قُتل مسموماً عام 1035هـ (1626م)، ونُقل جثمانه ليدفن بزاويته بتافلالت في قبيلة إداوزداغ إلى جوار قبر والده.